الحرب الروسية على أوكرانيا ستفرز عالما جديدا مختلفا سياسيا واقتصاديا وعسكريا…

كسفينة تتقاذفها الأمواج مهددة بالغرق في بحر هائج، هذا هو حال العالم في الربع الثاني من سنة 2022. بينما الحرب مستمرة وسط القارة الأوروبية في أوكرانيا تتبادل موسكو وواشنطن ومعها أعضاء حلف الناتو التهديدات، البعض يحذر من حرب عالمية ثالثة، وآخرون يروجون لحرب استنزاف طويلة بإوكرانيا تضعف روسيا، وغيرهم يقدرون أن المعركة ستحسم قبل أن تتم شهرا مثلها مثل حرب 2014 التي استعادت خلالها موسكو شبه جزيرة القرم التي كان الزعيم السوفيتي خروتشوف قد ضمها سنة 1954 إلى أوكرانيا في نطاق رسم الحدود الإدارية للجمهوريات السوفيتية.
مع مرور الساعات الطويلة بعد شروع القوات الروسية في عملياتها العسكرية ليلة 24 – 25 فبراير 2022 كثرت التحليلات والتقديرات المتفاوتة والمتضاربة حول مسار المعارك. البعض تحدث عن تمكن القوات الأوكرانية من وقف الزحف الروسي وحتى إمكانية هزيمته، آخرون تنبؤا بأن القوات الروسية ستغرق في حروب المدن إلى غير ذلك من الأفكار.
الولايات المتحدة وغالبية حلفائها سواء في أوروبا أو أمريكا الشمالية وشرق آسيا، اتبعوا أسلوب تطبيق سلسلة طويلة من إجراءات الحرب الاقتصادية ضد روسيا ووصفوا تلك العقوبات بأنها السلاح النووي الاقتصادي الذي سيدمر روسيا اقتصاديا ويفرض عليها وقف الحرب وربما يقود إلى انهيار النظام السياسي القائم في الكرملين ومقدم نظام بديل مناصر للغرب.
قليلون كانوا هؤلاء الذين أشاروا إلى أن روسيا في حربها في أوكرانيا تسعى إلى تحقيق هدفين أساسيين، الأول منع حلف الناتو من مواصلة التقدم شرقا وضم أوكرانيا إليه، والثاني التطلع إلى إعادة الوحدة بين روسيا وأوكرانيا خاصة أنه من وجهة نظر الروس تعتبر أوكرانيا جزء من بلدهم لغة وتاريخا، بل هناك من يعتبرها أصل روسيا. في الغرب شبه البعض الصراع الدائر وسط أوروبا بالحرب الأهلية الأمريكية التي دارت من سنة 1861 إلى 1865 بين الشمال والجنوب الذي سعى للانفصال وتكوين دولته.
مع مرور الأيام العشرة الأولى من الحرب تجلت معطيات كان الكثيرون لا يروها أو يتجاهلونها وهو ما قد يقلب الكثير من التوقعات. الكرملين يعد منذ سنة 2014 للعملية الحربية في أوكرانيا عسكريا واقتصاديا وسياسيا واتخذ الكثير من الإجراءات الهادفة إلى مواجهة العقوبات الغربية التي تعرف على جزء منها منذ معركة القرم. موسكو بنت تحالفا مع الصين لا يمكن وصفه سوى بالمصيري لكلاهما لأن العالم دخل فترة المواجهة الختامية بشأن إقامة نظام عالمي جديد ينهي نظام القطب الواحد ويجب أن يكون هناك رابح وخاسر. كذلك طور الكرملين مجموعة من العلاقات المبنية على المصالح المشتركة وعمل على الاستفادة من أوضاع متوترة في العلاقات البينية بين عدد كبير من دول ما يوصف بالعالم الثالث والغرب، وأحد الأدلة على ذلك رفض السعودية والإمارات العربية طلبات واشنطن ولندن أساسا لزيادة إنتاج النفط لمنع ارتفاع الأسعار وفتح الطريق للتخلص من الاعتماد على النفط والغاز الروسي، وكذلك عدم توسع إجراءات الحصار على الطيران والملاحة البحرية الروسية خارج التحالف الغربي.
ربما لخص رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان الموقف فيوم الأحد 6 مارس 2022 قال مخاطبا مبعوثي الاتحاد الأوروبي بنبرة قاسية نادرة: “باكستان ليست عبيدة لكم”، في إشارة لمطالبة الاتحاد الأوروبي إسلام أباد بإدانة التدخل الروسي العسكري في أوكرانيا.
وذكر خان في الخطاب الذي ألقاه أمام تجمع في منطقة فيهاري، شمال شرقي إقليم “البنجاب”، بحضور سفراء الاتحاد الأوروبي.
لقد “كتب سفراء الاتحاد الأوروبي رسالة تطالبنا بإدانة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا.. أريد أن أسأل عما إذا كنتم قد وجهتم أي رسالة من هذا القبيل إلى الهند”. وأضاف: “هل نحن عبيدكم.. نفعل أي شيء تقولونه؟”.

لا تنازل

اعتبر الموقع العسكري الأمريكي “ميليتاري واتش ماغازين” أن القوات الروسية نجحت خلال 72 ساعة الأولى من اندلاع الحرب في تحقيق تقدم عسكري مبهر مقارنة مع القوات الأمريكية في العراق وصربيا.
وترى الجريدة العسكرية في مقال لها كيف قامت الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إبان حرب العراق الأولى والثانية ولاحقا في يوغسلافيا بقصف جوي دام أسابيع لإضعاف القوات العراقية والصربية قبل شن الحرب البرية خاصة في حالة العراق. وهذا سهل للقوات الأمريكية التحرك والتقدم نحو بغداد أو إجبار صربيا على الاستسلام من خلال وقف هجماتها ضد البوسنة والهرسك.
وعلى العكس، تبرز الجريدة مدى جرأة الجيش الروسي في بدء الحرب البرية والجوية في آن واحد، فقد نجحت القوات الروسية في الوصول إلى مشارف العاصمة كييف بسرعة والشروع في محاصرتها رغم شراسة مقاومة القوات الأوكرانية.
وتشير إلى خاصية فريدة في هذه الحرب اعتمادا على المعطيات التي حصلت عليها وهي سقوط رقم محدود من الجنود في الصفوف الأوكرانية والروسية مقابل تدمير كاسح لحق بالوحدات البرية والجوية والبحرية الأوكرانية، وافادت المجلة أن الأوساط العسكرية الأمريكية تتحفظ على الأرقام التي تعلن عنها سلطات كييف بشأن سقوط آلاف الجنود الروس. وتحدثت وزارة الدفاع الأوكرانية عن سقوط 9500 جندي روسي في الحرب الدائرة منذ الخميس 24 فبراير وحتى يوم الجمعة 4 مارس.
وتلجأ “ميليتاري واتش ماغازين” الى المقارنة، وتتحدث عن تنظيم عسكري روسي أحسن بكثير من التدخل الروسي في جورجيا سنة 2008 الذي كان عشوائيا لمنع هذه الجمهورية من الانضمام إلى حلف الناتو. وتحذر من أخطار تراجع الكرملين عن عدم اعتماد كل قوته وهو ما فعله حتى الآن في هذه الحرب.
يوم الأحد 6 مارس أفادت الرئاسة الفرنسية أن الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أبلغ نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن موسكو ستحقق أهدافها في أوكرانيا “سواء عبر المفاوضات أو الحرب”. ونفى بوتين، بحسب بيان الإليزيه، لماكرون “قيام جيشه باستهداف مدنيين” في أوكرانيا، وأضاف البيان، أن بوتين أبلغ الرئيس الفرنسي كذلك أنه “ليس في وارد” مهاجمة المحطات النووية في أوكرانيا.
وتحدث ماكرون مجددا إلى بوتين، الأحد، لمدة ساعة و45 دقيقة. وكان الرئيس الفرنسي وبعد سفره إلى موسكو يوم 7 فبراير قد تحدث عدة مرات عبر الهاتف إلى نظيره الروسي منذ بداية الهجوم على أوكرانيا في 24 فبراير.
الاتصال الفرنسي الروسي الأخير جاء بعد زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بينيت لموسكو يوم السبت 5 مارس وهو ما اعتبره بعض الملاحظين بمثابة مبعوث للرئيس الأمريكي بايدن.
في نفس الوقت أكد الكرملين أن روسيا لا ترى نفسها معزولة عن العالم، وذلك على خلفية العقوبات المشددة التي فرضها الغرب على موسكو بسبب الهجوم العسكري الروسي على أوكرانيا.
ونقلت وكالة الأنباء الروسية “إنترفاكس” عن المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، قوله: “العالم أكبر من أن تعزل أوروبا وأمريكا أي دولة، خاصة دولة كبيرة مثل روسيا”.
وأعلن بيسكوف عن تقديم مساعدات جديدة في ضوء العواقب الاقتصادية للعقوبات الغربية المفروضة على بلاده، وقال: “الوضع استثنائي بالنسبة للاقتصاد. إنه يتطلب إجراءات استثنائية”، دون الإفصاح عن تفاصيل بشأن هذه المساعدات.
ويشير خبراء اقتصاديون إلى إن اندماج الاقتصاد الروسي في الاقتصاد العالمي ليس كبيرا مثل اقتصاد العديد من البلدان الأخرى، وهذا يقلل أيضا من فاعلية العقوبات. تماما مثل البنية التحتية المالية غير الدولارية الموجودة في روسيا منذ العام 2015. يكفي أن نعرف إن حصة الدولار من احتياطيات النقد الأجنبي القياسية الروسية وصلت الآن إلى مستوى متقدم في الانخفاض بلغ 16 في المائة فقط.

بدائل

منذ أن هددت واشنطن موسكو في السابق بالاستبعاد من نظام سويفت بسبب أزمة شبه جزيرة القرم في عام 2014 طورت روسيا نظام الدفع الخاص بها SPFS وبدأت اختبار هذا النظام واستخدامه مع بعض الدول.
ومع استبعادها من نظامي فيزا وماستركارد عام 2016 بدأت روسيا استخدام نظام بطاقات الدفع الخاص بها MIR إلا أن هذين النظامين لم يستخدما إلا على نطاق ضيق.
ضمت القائمة غير النهائية التي أعلنتها الولايات المتحدة والمفوضية الأوربية عدة بنوك روسية هي “بنك أوتكريتي” و”نوفيكومبنك” و”روسيا بنك” و”برومسفيازبنك” و”في تي بي” و”في إي بي” و”سوفكومبنك”. وتم التخطيط لتقليل الضرر الواقع على الدول المتعاملة مع روسيا في قطاع الطاقة ولذلك اُستثني “سبيربنك” الذي يعد أكبر بنك في روسيا و”غازبروم بنك” لأهميته بالنسبة لقطاع الطاقة.
ومن المتوقع أن تتأثر دول غربية حليفة وحتى الولايات المتحدة نفسها من الحرب الاقتصادية حيث سيزيد معدل التضخم وسترتفع الأسعار خاصة النفط والغاز.
وإذا ما قابلت روسيا قرار الاستبعاد من نظام سويفت بتقليص صادراتها، سيؤثر ذلك على الإنتاج والصناعة وسيرفع التكلفة ويسبب مشاكل في أمن الطاقة بالدول التي تتعامل مع روسيا وفي مقدمتها تركيا ودول الاتحاد الأوروبي كما سيخلق رجة في النظام المالي العالمي لا يستطيع أحد حاليا تقدير مدى خطورتها.
وعلى الاتحاد الأوروبي أن ينتبه جيدا حتى لا تؤثر هذه العقوبات بصورة مباشرة على صادرات البترول والغاز الطبيعي الروسية. لأنه لن يرغب أحد في أن تقوم روسيا بقطع إمدادات الغاز والنفط التي تصدره والذي لا يمكنها الحصول على ثمنه بسبب قرار سويفت. ولذلك من الصعب وصف قرار استبعاد روسيا من نظام سويفت بشكل حذر بأنه “سلاح نووي مالي”.
توسيع نطاق سويفت سيؤثر بالسلب أيضا على الدول التي اتخذت القرار، لذلك نرى أن هذا التصرف غير مدعوم بالإجماع في الاتحاد الأوروبي.
مثلا ترى برلين أن “سلاحا مؤثرا كهذا سيؤثر على رجال الأعمال والصناعة في ألمانيا، لذلك فإن الاستبعاد من نظام سويفت يجب أن يكون ضد أهداف معينة وأن هذا السلاح يجب ألا يستخدم إلا في محله وألا يسمح بأن يضر هذا القرار الاقتصاديات الأوروبية”.
وستضر هذه العقوبات بالدول المعتمدة على روسيا في الحصول على أي سلعة ولكنها ستجعل المنتجات الروسية أكثر قدرة على المنافسة لانخفاض أسعارها، وسيضطر رجال الأعمال في الدول التي اتخذت القرار للبحث عن وسائل بديلة وأنظمة أكثر تعقيدا لمواصلة التجارة مع روسيا.
أما الحل الآخر فسيكون البحث عن بديل لروسيا إلا أن كل الدول وفي مقدمتها الدول التي تدعم القرار، تعلم جيدا أنه لا يمكن العثور على بديل لروسيا على المدى القريب، وخصوصا في مجال الطاقة.

الحظر لن يكون بالفعالية المتوقعة

نشرت صحيفة الفايننشال تايمز تحليلا لأليستير ميلن الخبير في المدفوعات وأستاذ في جامعة لوبورو، بعنوان “تجربة إيران تشير إلى أن الحظر من نظام سويفت لن يكون بالفعالية المتوقعة”.
ويبدأ الكاتب مقاله بالقول إنه منذ الهجوم الروسي على أوكرانيا “ترسخت رواية مثيرة للفضول: حظر البنوك الروسية من نظام الرسائل السريعة، سيؤدي بطريقة ما إلى تجميد البلاد خارج النظام المالي العالمي، لكن تجربة العقوبات المالية على إيران توحي بغير ذلك”.
ويضيف “طبقت الولايات المتحدة، وعززت بشكل دوري، عقوبات اقتصادية على إيران لعقود. منذ عام 1984 واستهدفت هذه العقوبات إلى حد كبير صناعة النفط الإيرانية. ومع ذلك، لم تتحول إلى شاملة حتى عام 2006، عندما تم تقديم سلسلة من “الإجراءات المالية المستهدفة” لمنع البنوك الأجنبية من إجراء معاملات مالية مع إيران”.
ويلفت إلى أنه “لم يتم إقصاء المؤسسات المالية الإيرانية من سويفت حتى مارس 2012، وانتظار الولايات المتحدة لفترة طويلة للضغط من أجل حظر سريع يخبرنا أنه ببساطة لم يكن أولوية”.
“السبب في ذلك هو أنه طالما كانت هناك بنوك خارجية مقرها خارج الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة في الحلول البديلة، فلن يكون للحظر تأثير يذكر”.
ويشرح الكاتب “سويفت هو نظام مراسلة وليس نظام دفع. على عكس المدفوعات نفسها، يمكن إرسال الرسائل من خلال طرق مختلفة. في حالة روسيا، يمكن للبنوك استخدام نظام التحويل الخاص بها، “إس بي إف سي”، والذي تم إنشاؤه عام 2014 من قبل البنك المركزي الروسي”.
ويوضح “يتم استخدام هذا النظام بشكل متزايد من قبل البنوك المحلية للمدفوعات عبر العملات داخل الاتحاد الاقتصادي الأوروآسيوي، المكون من روسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وكازاخستان وقيرغيزستان، وتزعم روسيا أنها استحوذت على 17 في المائة من رسائل المدفوعات الدولية الروسية، في عام 2020.
كذلك يستخدم أيضا من قبل بعض فروع البنوك الروسية في ألمانيا وسويسرا، يمكن لروسيا أيضا استخدام نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود، أو شبكة “سيبس”، التي تم إنشاؤها في عام 2015 من قبل بنك الصين الشعبي، لغرض المدفوعات عبر الحدود، ويتميز “سيبس” بوجود مشاركين غير مباشرين في العديد من البلدان، وكل هذه الأنظمة لها البنية نفسها بناء على معيار رسائل المدفوعات العالمية ISO20022.
ويرى الكاتب أن تجربة إيران تظهر أن “تجميد الأصول وحظر المعاملات والغرامات المفروضة على أي مؤسسة تساعد في التهرب من العقوبات المالية، وهي أكثر فاعلية بكثير من حظر دولة ما من سويفت. وفي الواقع، تعتبر القيود المفروضة على المعاملات التي أجراها البنك المركزي الروسي في نهاية هذا الأسبوع الأول من شهر مارس بداية مهمة”.

النظام المالي العالمي في خطر

يوم 28 فبراير 2022 كتب المحلل السياسي ألكسندر نازاروف حول خطر انهيار النظام المالي السائد:
في النظام الاقتصادي الحديث، تتحدد قوة العملة في المقام الأول من خلال ميزان التجارة الخارجية وميزان المدفوعات الخارجية في البلاد. وكلما زادت صادرات الدولة، زادت قوة عملتها.
ولكن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا تطبع الآن كميات هائلة من الدولارات واليورو، ما أدى إلى ارتفاع التضخم في العالم. كان انهيار النظام المالي العالمي متوقعا في غضون عامين، ولكن بالنظر إلى الأحداث الأوكرانية الأخيرة، فقد يحدث ذلك في وقت مبكر من هذا العام.
وبعد ذلك، سوف تكون هناك فترة من التضخم المفرط، وستتوقف التجارة العالمية لبعض الوقت، بعدها ستقوم كل دولة بإعادة إنشاء عملتها الخاصة. ولكي تكون مستقرة، يجب ربطها بالذهب.
وحينها ستصبح العملة أكثر استقرارا وقوة كلما ارتفعت نسبة احتياطي الذهب والناتج المحلي الإجمالي.
يوم 3 مارس 2022 حذر تقرير لمعهد بريطاني من أن الاقتصاد العالمي قد يخسر ما يصل إلى تريليون دولار هذا العام جراء الصراع في أوكرانيا، كذلك حذر التقرير من ارتفاع معدلات التضخم.
وذكر المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية في المملكة المتحدة، إن الأوضاع حول أوكرانيا ستساهم في زيادة التضخم العالمي بنسبة 3 في المأئة في عام 2022 من خلال إطلاق أزمة أخرى في سلاسل التوريد.
وأضح تقرير المعهد، الذي يتخذ من لندن مقرا له، أن مشاكل في الإمدادات ستؤدي إلى ارتفاع الأسعار الأمر الذي سيقلل من حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي بنحو 1 في المأئة بحلول العام 2023.
ووفقا للمعهد تعتبر روسيا وأوكرانيا مصدرين رئيسيين للسلع الأساسية والطاقة، وتتطور الأوضاع للأسوأ بينهما يترك قارة أوروبا عرضة للخطر بطريقة تفوق أي منطقة أخرى في العالم.
وأشار إلى أن “المواجهة ستدفع الحكومات الأوروبية إلى اقتراض المزيد من الأموال لسداد تكاليف تدفق المهاجرين وتعزيز جيوشها”، وحث المعهد البنوك المركزية على زيادة أسعار الفائدة “ببطء فقط أثناء تقييمها لتأثير المواجهة على الثقة والنشاط وضغطها، من خلال الطاقة، على الدخل الحقيقي”.
وقال مدير المعهد جاغجيت شادها، إن الصراع يخلق مزيدا من الضغوط الاقتصادية التي المنظومة الاقتصادية، وخاصة بعد جائحة كورونا، وأضاف: “سلاسل التوريد ستتعرض لمزيد من التصدع، وستخضع السياسات النقدية والمالية لفحص صارم”.

قلق في واشنطن

يوم 5 مارس اعتبرت صحيفة “ناشونال انترست” الأمريكية في مقال لها أن رفض 35 دولة دعم القرار المناهض لروسيا في الأمم المتحدة شكل علامة مقلقة بالنسبة للولايات المتحدة. وكتب الخبير في القضايا الدولية تيد كاربنتر، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة على قرار يدين الغزو الروسي لأوكرانيا ويطالب بالانسحاب الفوري للقوات العسكرية الروسية.
وكانت إدارة بايدن راضية عن النتيجة.. ظاهريا كان لدى المسئولين الأمريكيين سبب للرضا لأن التصويت كان لصالحهم بأغلبية ساحقة. وصوتت 141 دولة لصالح القرار، بينما صوتت خمس دول فقط ضده. ومع ذلك، يكشف التصويت عن بعض النتائج المثيرة للاهتمام والمقلقة لهدف واشنطن المتمثل في تشكيل تحالف عالمي منيع لإلحاق الألم المالي والسياسي بالحكومة الروسية بسبب حربها على أوكرانيا، وهو العدد الكبير من الممتنعين عن التصويت. إذ رفضت خمس زائد 35 دولة تضم زهاء 65 في المائة من سكان المعمور استرضاء الولايات المتحدة، واختارت بدلا من ذلك الامتناع عن التصويت أو رفضه”.
وتابعت الصحيفة، بالنظر إلى العلاقات المتنامية بين موسكو وبكين، سيكون من غير الواقعي أن يتوقع القادة الأمريكيون أن تدعم الصين أي إجراءات عقابية واقعية ضد روسيا”.
وأضاف الكاتب، لقد دفعت سياسة واشنطن العدائية العلنية لروسيا والصين إلى شراكة استراتيجية وثيقة.
وخلص المؤلف إلى أن بكين قادرة حتى على مساعدة موسكو في تخفيف تأثير أي عقوبات يفرضه التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة.
ولفت الكاتب إلى أن الأمر الأكثر إثارة للقلق أيضا بالنسبة للولايات المتحدة، كان عندما رفضت الدول الرئيسية في جنوب آسيا وشرق آسيا وخاصة الهند والصين التصويت لصالح القرار. وقد أصبح مدى استياء واشنطن واضحا عندما انتقد بايدن شخصيا كلا البلدين لقرارهما.
لم تحافظ الهند على حيادها فحسب، بل جلبت أيضا سريلانكا وبنغلاديش معها. علاوة على ذلك، انضمت باكستان ودول عربية إلى صفوف الدول التي امتنعت عن التصويت. ورفضت فيتنام ومنغوليا دعم القرار. ورأت واشنطن تصويت فيتنام مخيبا للآمال بشكل خاص، حيث كانت واشنطن تتودد بنشاط إلى هانوي كشريك اقتصادي وأمني لسنوات.

عالم ما بعد الدولار

بعد إعلان الغرب عن العقوبات ضد روسا، أكد مسئولون في بكين معارضتهم لها. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية، وانغ ون بين، إن “الصين وروسيا ستواصلان إقامة تعاون تجاري طبيعي بروح الاحترام المتبادل والمساواة والمنفعة المتبادلة”. وأكدت أكبر هيئة مصرفية في البلاد أن الصين “لن تشارك في مثل هذه العقوبات”.
جاء في تحليل نشرته صحيفة “فاينانشال تايمز” الأمريكية يوم الأحد 6 مارس: غالبا ما تتفاعل الأسواق بقوة مع الأحداث الجيوسياسية، لكنها تتجاهلها لاحقا. لكن ليس هذه المرة. يعد الهجوم الروسي على أوكرانيا نقطة تحول اقتصادية رئيسة سيكون لها عديد من العواقب الدائمة. من بينها تسريع التحول إلى نظام مالي عالمي ثنائي القطب – نظام يعتمد على الدولار والآخر على الرنمينبي.
بالطبع، استمرت عملية الفصل المالي بين روسيا والغرب لبعض الوقت. البنوك الغربية قللت من تعرضها للمؤسسات المالية الروسية 80 في المائة في أعقاب ضم البلاد لشبه جزيرة القرم في 2014، وانخفضت مطالباتها على بقية القطاع الخاص في روسيا إلى النصف منذ ذلك الحين، وفقا لتقرير صدر أخيرا عن كابيتال إيكونوميكس. إن العقوبات الجديدة والأكثر صرامة التي أعلنتها الولايات المتحدة ستأخذ هذا الفصل إلى أبعد من ذلك بكثير.
كما أنه سيجعل روسيا أكثر اعتمادا على الصين، التي ستستخدم عقوبات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي كفرصة لالتقاط فائض النفط والغاز الروسي بسعر رخيص. إنها بحاجة إلى سلع وأسلحة روسية، وتعد البلاد جزءا أساسيا من نظام جديد تقوده بكين، وهو أمر تدركه موسكو.
قال سيرجي كاراجانوف، أستاذ العلوم السياسية في مجلس السياسة الخارجية والدفاعية ومقره موسكو، لنيكي آسيا أخيرا، “الصين هي احتياطنا الاستراتيجي. نحن نعلم أنه في أي موقف صعب، يمكننا الاعتماد عليها للحصول على الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي”.
لا يعني هذا أن الصين ستخرق العقوبات الأمريكية أو الأوروبية لدعم روسيا، لكنها قد تسمح بالتأكيد للبنوك والشركات الروسية بمزيد من الوصول إلى أسواقها المالية ومؤسساتها. في الواقع، قبل أسابيع قليلة فقط، أعلنت الدولتان “صداقة بلا حدود”، وهي صداقة ستشمل بالتأكيد علاقات مالية أوثق مع استبعاد روسيا من الأسواق الغربية. يأتي ذلك في أعقاب اتفاقية 2019 بين روسيا والصين لتسوية جميع التداولات بعملات كل منهما بدلا من الدولار. الحرب في أوكرانيا ستسرع ذلك. في الأيام القليلة الماضية، رفعت الصين حظر استيراد القمح الروسي، وكذلك صفقة غاز صينية جديدة طويلة الأجل مع شركة غازبروم.
كل هذا يدعم هدف الصين طويل الأجل المتمثل في بناء عالم ما بعد الدولار، حيث ستكون روسيا واحدة من عديد من الدول التابعة التي تسوي جميع المعاملات بالرنمينبي. الوصول إلى المبتغى ليست عملية سهلة. يريد الصينيون التخلص من الدولرة، لكنهم يريدون أيضا السيطرة الكاملة على نظامهم المالي. هذا أمر مستحيل فعله. أحد الأسباب التي تجعل الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية هو أن الأسواق الأمريكية منفتحة ولديها سيولة عالية.
يأمل الصينيون في استخدام التجارة والسياسة البترولية في الوقت الحالي لزيادة حصة الرنمينبي من العملات الأجنبية العالمية. أخبرني أحد المستثمرين الغربيين رفيعو المستوى في الصين أنه يتوقع أن ترتفع الحصة من 2 في المائة إلى ما يصل إلى 7 في المائة في الأعوام الثلاثة إلى الأربعة المقبلة. وهذا بالطبع لا يزال ضئيلا مقارنة بمركز الدولار الذي يبلغ 59 في المائة.
لكن الصينيين يلعبون لعبة طويلة. التمويل ركيزة أساسية في منافسة القوة العظمى الجديدة مع أمريكا، ستلعب العملة وتدفقات رأس المال والمسار التجاري لمبادرة الحزام والطريق دورا في ذلك. تعمل بكين على تنويع احتياطاتها من العملات الأجنبية ببطء، إضافة إلى شراء كثير من الذهب. يمكن اعتبار هذا نوعا من التحوط على عالم ما بعد الدولار “الافتراض بأن الذهب سيرتفع مع انخفاض الدولار”.
القيود الأمريكية الجديدة على تدفقات رأس المال إلى الصين لأسباب تتعلق بالأمن القومي قد تؤدي إلى تسريع عملية الفصل المالي بشكل أكبر. إذا لم تتمكن صناديق التقاعد الأمريكية من التدفق إلى الصين، فإن الاكتفاء الذاتي في أسواق رأس المال يصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. كانت بكين تحاول تعزيز الثقة والشفافية في نظامها، ليس فقط لجذب الاستثمار الأجنبي غير الأمريكي، ولكن أيضا لتشجيع ازدهار الاستثمار الداخلي حيث يتم ضخ كميات ضخمة من المدخرات الصينية في أسواق رأس المال المحلية.
في حين أن العقوبات ضد روسيا تنذر بمزيد من الانفصال، فمن المحتمل أيضا أن التداعيات الاقتصادية للحرب “انخفاض الطلب، حتى ارتفاع التضخم” ستدفع أمريكا والدول الأخرى إلى الخضوع لضغوط التسعير التي من شأنها أن تفضل السلع الصينية. في حين أنه من المحتمل أن يكون هناك كثير من المواقف السياسية من كلا الحزبين السياسيين الرئيسين بشأن الوقوف في وجه روسيا والصين، إلا أن فصل سلاسل التوريد يستغرق وقتا طويلا. لا يزال يتعين على صانعي السياسة في واشنطن أن يكونوا جادين حقا في ذلك.
من ناحية أخرى، فإن بكين جادة للغاية بشأن النظام العالمي الجديد الذي تسعى إليه. في كتاب “رقعة الشطرنج الكبرى”عام 1997، زبيغنيو برزينسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، كتب بحكمة أن السيناريو الجيوسياسي الأكثر خطورة بالنسبة إلى الغرب سيكون “تحالفا كبيرا بين الصين وروسيا وربما إيران”. وهذا قد تقوده بكين وسيتحد بالمظالم المشتركة وليس بالأيدولوجية. كتب، “إن تجنب هذا الاحتمال، مهما كان بعيدا، سيتطلب عرضا للمهارة الجيوستراتيجية الأمريكية على جميع محيط أوراسيا في وقت واحد”.
ستصبح الأسواق المالية ميدان معركة رئيسا. ستصبح مكانا للدفاع عن القيم الليبرالية “مثلا، من خلال العقوبات ضد روسيا” وتجديد التحالفات القديمة. “هل من الممكن أن تجتمع الولايات المتحدة وأوروبا معا لصياغة إستراتيجية بشأن كل من أمن الطاقة وتغير المناخ؟”، كما أنهما سيكونان أكثر حساسية تجاه الجيوسياسية مما كانا عليه في الماضي.

نقطة تحول

بداية شهر مارس 2022 كتب هو تشيجين مقالة في صحيفة “غلوبال تايمز” الصينية تناول فيها العملية العسكرية الروسية الخاصة في أوكرانيا. وقال إن الرئيس الروسي بوتين قال إن روسيا لا تخطط لاحتلال أوكرانيا، وإنه بالنظر إلى التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي في اتجاه الشرق والبيئة الأمنية المتدهورة لروسيا، ليس أمام روسيا خيار سوى شن العمليات العسكرية.
وأضاف: قالت روسيا إنها حيدت القواعد الجوية العسكرية الأوكرانية وأنظمة الدفاع الجوي الخاصة بها. لكن لا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستذهب العمليات العسكرية الروسية وما هو هدفها النهائي.
وأشار الكاتب إلى أن قرار بوتين بشن العملية العسكرية في أوكرانيا قد حظي بدعم واسع النطاق من المجتمع الروسي وذلك ثلاثة أسباب هي: “أولا، أدى التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي إلى الشرق بدفع من الولايات المتحدة إلى تقليص المساحة الإستراتيجية لروسيا وإهانة هذه الدولة المقاتلة بشدة. شهر بوتين سيفه وهو يخلق نقطة تحول تاريخية لإنهاء التراجع الروسي القسري منذ تفكك الاتحاد السوفياتي. القذائف التي سقطت على أوكرانيا هي بمثابة بصق روسيا في وجه واشنطن.
ثانيا، عاشت أوكرانيا وروسيا معا لأكثر من 300 عام، وتم دمج ثقافتيهما. ومع ذلك، انقلبت أوكرانيا ضد روسيا في السنوات الأخيرة وانحرفت بالكامل نحو الغرب، واتخذت مسارا مناهضا لروسيا مشابها لمسار دول البلطيق. هذا المسار شائع في دول الاتحاد السوفياتي السابق وأوروبا الشرقية. هذه الدول مقتنعة أنه بدعم من الولايات المتحدة، من الآمن لها أن تكون معادية لروسيا. لطالما أثار هذا غضب الروس. لذلك، فهم يدعمون بوتين بشكل عام في استخدام أوكرانيا كتحذير لبقية أوروبا الشرقية.
ثالثا، لقد اعتادت روسيا بالفعل على عقوبات الولايات المتحدة والغرب عليها بعد كل هذه السنوات. بل إنها مستعدة لسيناريو أسوأ حالة، حيث تقوم الولايات المتحدة بإغلاق الإنترنت في روسيا. مع بقاء أسعار النفط عند مستوى مرتفع واحتياطيات كافية من النقد الأجنبي، تتمتع روسيا الآن بالقدرة على مقاومة العقوبات. لذلك، فإن الروس ليسوا قلقين إذا كانت العقوبات ستؤثر على حياتهم بشكل كبير.
وتابع الكاتب: يريد بوتين دفع كييف لتعهد بأنها لن تسعى إلى الانضمام إلى حلف الناتو وتغيير إستراتيجيتها المؤيدة للولايات المتحدة بشكل أساسي. إنه يريد أن تصبح أوكرانيا الدرع الذي يحمي روسيا من ضغوط الناتو. بمجرد أن تغير أوكرانيا مسارها، يمكن لتحالف بينها وبين بيلاروسيا وروسيا أن يغير النمط الجيوسياسي في أوروبا الشرقية من خلال التعاون الوثيق. لكن من غير المرجح أن تجري حكومة زيلينسكي مثل هذه التغييرات.
ورأى الكاتب أن المواجهة ستستمر بالتأكيد لفترة من الزمن وستكون الركيزة المقبلة للصراع هي أي جانب – روسيا أم الولايات المتحدة والغرب – هو الذي سيؤثر على وضع أوكرانيا في المستقبل.
وذكر إن هذا وقت مؤلم للغاية بالنسبة لأوروبا. لقد أصبح توسع الناتو باتجاه الشرق وتجريم روسيا من الأمور السياسية الصحيحة في الغرب. في غضون ذلك، تشعر روسيا بالتهديد الشديد من توسع الناتو باتجاه الشرق، وبالتالي ستقاتل حتى النهاية. منعت السياسات الانتخابية أوكرانيا من إجراء تعديل معقول في طريقها لتكون محايدة بين روسيا والغرب. وقبل كسر الجمود، من المحتمل أن يكون هناك المزيد من الخسائر والألم.
وأضاف: لقد استهانت الولايات المتحدة والغرب بقدرة روسيا على تحمل العقوبات. ربما تكون موسكو قد استهانت أيضا بمرونة مسار أوكرانيا المناهض لروسيا المدعوم من الغرب وكذلك استدامة دعم الغرب. عندما لا تستطيع جميع الأطراف تقديم تنازلات، لا يمكن استبعاد المزيد من تصعيد العمليات العسكرية. تماما كما ستكون كارثة سياسية بالنسبة إلى واشنطن إذا غيرت الولايات المتحدة موقفها تجاه توسع الناتو شرقا، فإن بوتين إذا سحب قواته من أوكرانيا بينما ظل الخط السياسي لكييف على حاله، فقد يكون من الصعب عليه توضيح موقفه في الداخل الروسي.
وختم الكاتب الصيني بالقول: لذلك، ليس واضحا كيف سيتطور الوضع. بشكل أساسي، هذه مواجهة إستراتيجية بين روسيا والولايات المتحدة. وتغير موقف أوكرانيا من عدمه يعتمد على مدى صعوبة الجهود التي تبذلها روسيا والولايات المتحدة.
وأضاف: أعطت هذه الحادثة والحرب البلدان الصغيرة درسا مهما: عندما تكون عالقة بين قوى كبرى، يجب أن تحاول تجنب الانحياز تماما إلى جانب ومساعدة هذا الجانب على تحدي الجانب الآخر. هذا خطير جدا. في العالم الحديث، الحروب بين القوى الكبرى تميل إلى أن تكون مستحيلة، لأنها غير قادرة على الصمود في وجه الحروب بينها. عندما تعاقب قوة عظمى بيادق قوة كبرى أخرى، يكون من الصعب للغاية أن تفي الأخيرة بوعدها بالانضمام إلى المعركة للدفاع عن حليفها الأصغر. نتيجة لذلك، يجب على الدول الضعيفة والصغيرة الحفاظ على استقلالها الاستراتيجي على الأقل إلى حد معين في جميع الأوقات. لا يمكنها تحويل أنفسها إلى عدو لدود لقوة عظمى أخرى يجب القضاء عليها، من أجل إرضاء قوة عظمى واحدة.

حكومة في المنفى

جاء في تقرير نشره موقع “الحرة” الأمريكي يوم 6 مارس: تناقش واشنطن وحلفاؤها كيفية تأمين خليفة في أوكرانيا في حالة أسر الرئيس زيلينسكي أو قتله على يد القوات الروسية، وفقا لما نقلته صحيفة نيويورك تايمز عن مسئولين من عدة حكومات.
تدور المخاوف في المقام الأول حول التأكد من استمرار وجود حكومة أوكرانية مستقلة بشكل ما، حتى لو وجدت روسيا طريقة لتثبيت قيادة موالية لها في العاصمة كييف.
يقول مسئولون غربيون إن الاعتراف بزعيم مستقل سيساعد في منع أي قادة مدعومين من روسيا من اكتساب الشرعية.
كان حضور زيلينسكي وخطاباته التحفيزية من العوامل الرئيسة في الحفاظ على الروح المعنوية للجيش الأوكراني وشعبه، وذكر المسئولون إنه من المهم الاستمرار في ذلك.
ويأتي التركيز على تأمين خليفة زيلينسكي، جزئيا، في وقت لم تتضح فيه هذه القضية في دستور أوكرانيا ولأن زيلينسكي نفسه قال إنه لا يريد مغادرة البلاد.
ورغم التقارير الإخبارية، تؤكد نيويورك تايمز إن المسئولين الأمريكيين ينفون عرضهم إجلاء الرئيس أو نصحهم له بالمغادرة. وقد أشادت الحكومات الغربية بعزمه على البقاء والقتال بينما تحاول القوات الروسية التقدم في جميع أنحاء البلاد.
ولن تعترف الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي بحكومة تنصبها روسيا.
ومع ذلك، فإن تقويض الحكومة التي تسيطر عليها موسكو في كييف سيكون أسهل بالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها إذا كان هناك زعيم شرعي معترف به لأوكرانيا حرة، بدلا من السياسيين المتنافسين على هذا الدور.
غير أن بعض القضايا العملية والقانونية تلعب دورا أيضا في حتمية التخطيط لخليفة لزيلينسكي، حسبما تقول نيويورك تايمز، مشيرة إلى التبرعات العسكرية والاقتصادية للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، لإظهار الدعم لأوكرانيا.
وتوضح الصحيفة أن استمرار هذا الدعم العام “أسهل بكثير مع وجود حكومة فاعلة تقبل المساعدة، حتى لو كانت تعمل في غرب أوكرانيا أو كحكومة في المنفى في بولندا أو رومانيا”.
وتشير نيويورك تايمز إلى أنه كلما طالت فترة قيادة الجيش الأوكراني النظامي المعركة ضد روسيا، زادت احتمالية تمكن أوكرانيا من الاحتفاظ بالسيطرة على كل أو جزء من البلاد.

الحكومة الأفضل

إذا كان هذا هو أحد المحاور البديلة للتخطيط الأمريكي في حال سقوط أوكرانيا، فإن لموسكو كذلك بدائل.
الكرملين لا يرغب خلال المرحلة الحالية في السيطرة عسكريا بالكامل على أوكرانيا لأنه أمر مكلف ويحتاج إلى إبقاء عشرات آلاف الجنود بكل معداتهم داخل البلد الشاسع 603 548 كلم مربع، زيادة على ذلك وسياسيا ستعمل الولايات المتحدة وأوروبا على حشد ما تسميه بالمجتمع الدولي لرفض الاعتراف بالحكومة الجديدة التي لا بد ستظهر في كييف تحت الحماية الروسية. موسكو كذلك لا ترحب بفكرة السيطرة على نصف أو ثلث أراضي أوكرانيا حيث توجد أغلبية سكانية مؤيدة للكرملين لأن الجزء الآخر الذي لن تخضعه عسكريا وسياسيا سيكون قاعدة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أو البدائل الذين سيكونون حلفاء للغرب ويمكن أن يستخدم لشن حرب استنزاف ضد روسيا في وسط أوروبا.
هذه المعطيات تفسر إلى حد كبير التكتيكات العسكرية الروسية المخالفة لمبدأ الحرب الصاعقة ولكن المرتكزة على تدمير كل البنية العسكرية الأوكرانية وتحييد الألوية العسكرية الرئيسية المعادية مع خفض حدة التقدم خاصة على محاور المدن الكبرى والاكتفاء بفرض حصار مرن حولها، لأن الكرملين يريد أن يدرك الرئيس الأوكراني والطاقم السياسي والعسكري المحيط به وفي غياب دعم عسكري غربي حقيقي أن لا بديل سوى التفاوض وقبول مطالب الرئيس بوتين.
في حال قبول زيلينسكي أو من قد ينقلب عليه داخليا من جيشه أو طاقمه السياسي لتسوية سياسية مع موسكو لن يمكن لواشنطن أو حلفائها المراهنة على التمسك بعدم الشرعية للحكام في كييف واستخدامها على صعيد واسع، ويمكن للكرملين أن يتعامل مع حكومة غير عدوة بكييف ويبني ربما الجسور مستقبلا لإعادة لحمة العلاقة التاريخية خاصة وأن الخسائر في صفوف المدنيين قد قلصت إلى أقصى درجة.
السعي الروسي للبدائل في حكام كييف ليس مستحيلا حيث أن عددا من الأحداث كشفت عن وجود انشقاق في الجهاز الحاكم.
مساء يوم السبت 5 مارس 2022 أكدت وزارة الدفاع الأوكرانية مقتل عضو الوفد الأول لكييف إلى المفاوضات مع روسيا دينيس كيرييف.
وقالت الإدارة العامة للاستخبارات التابعة لوزارة الدفاع الأوكرانية، في بيان: “لقي 3 استخباراتيين من عناصر الإدارة العامة للاستخبارات بوزارة الدفاع الأوكرانية مصرعهم خلال تنفيذ عمليات خاصة، وهم أليكسي دولا، وفاليري تشيبينييف، ودينيس كيرييف”.
ويأتي ذلك بعد أن ذكر النائب في البرلمان الأوكراني، ألكسندر دوبينسكي، ووسائل إعلام محلية أن كيرييف قتل أثناء محاولة اعتقاله من طرف جهاز الأمن الأوكراني في كييف.
وأوضحت المصادر المذكورة أن كيرييف، الذي كان بين أعضاء الوفد الأوكراني في الجولة الأولى من المفاوضات مع روسيا والتي جرت يوم 28 فبراير في مقاطعة غوميل البيلاروسية، قد يكون أبدى مقاومة لدى محاولة اعتقاله ما أدى لمقتله، مرجحة أن تكون محاولة القبض عليه على خلفية شبهة ارتكاب خيانة دولة.
مصادر رصد في العاصمة الألمانية برلين أفادت أن المسئولين الأوكرانيين القتلى كانوا ضمن مجموعة من العسكريين والسياسيين أوكرانيين غير محددين حتى الآن بصدد عقد صفقة مع روسيا لإنهاء الحرب دون مصادقة زيلينسكي وجزء من طاقمه.
بفارق ساعات على مقتل المسؤولين الأوكرانيين الثلاثة وحسب أنباء مسربة إلى أوساط يسارية أوروبية اختطف ميخائيل كونونوفيتش سكرتير اتحاد الشباب للحزب الشيوعي في اوكرانيا وشقيقه ألكسندر كونونوفيتش من قبل كتيبة “آزوف” وهي وحدة عسكرية متشكلة من “النازيين” الجدد تطوعت في مايو 2014 للانضمام إلي الحرس الوطني الأوكراني.
الاختطاف تم رغم أن الحزب الشيوعي الأوكراني معارض لسياسات بوتين والتدخل الروسي في بلاده. وحسب أوساط الحزب اليساري فإن هستيريا العداء لليسار والتنكيل بأطره تفعل بشكل مقصود وممنهج في أوقات الأزمات السياسية و باستمرارية في أوكرانيا منذ سنة 2014.. في 17 فبراير 2016، تعرض ميخائيل كونونوفيتش مع أعضاء آخرين في الحزب لهجوم بالأسلحة البيضاء من قبل النازيين الجدد، وأصيبوا بجروح خطيرة ونقلوا إلى المستشفى، وفقد احد الأطر بصره…السكرتير الأول للحزب في مدينة كييف كغور بليتسين، تم مهاجمة منزله عدة مرات لتهديده وترهيب عائلته، عام 2019 تم حظر جريدة “رابوتشايا غازيتا” بدعوي أنها تنتمي إلي الحقبة السوفيتية برغم أنها مؤسسة منذ عام 1897.
الحزب الشيوعي الأوكراني هو حزب سياسي محلي تأسس في عام 1993 خلفا للحزب الشيوعي الأوكراني في الحقبة السوفيتية والذي تم حظره في عام 1991. لعب الحزب منذ تأسيسه دورا رئيسيا في السياسة البرلمانية لأوكرانيا ما بعد الاتحاد السوفيتي، ولكن منذ صدور القانون الأوكراني لاجتثاث الشيوعية في أبريل 2015، حظرت وزارة العدل على الحزب الشيوعي المشاركة في الانتخابات.

سوريا الأمل

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.